صحيفة المدينة: “التحرّش الجنسي” .. جرمٌ بين أسوار “ مغلقة”

01/11/2013

طفل من كل أربعة يتعرضون له من داخل الأسرة و تدق ناقوس الخطر

هل يعلم الآباء والأمهات أن طفلًا أو طفلة من بين كل أربعة أطفال يتعرضون للتحرش الجنسي؟ بل والأغرب من ذلك أن ثلاثة أرباع أولئك الضحايا الأبرياء يتعرضون للاعتداء ليس من أناس غرباء عنهم بل من داخل بيوتهم، وممّن يعيشون بينهم؟ أرقام مخيفة، ونسب تدق -بل دقت- ناقوس الخطر في مجتمع ما زالت تنتشر فيه ثقافة العيب والتستر على الجريمة خاصة العائلية، بالإضافة إلى غياب القوانين الرادعة والتي تحفظ حقوق الضحية، أو ترد له شيئًا ممّا فقده ولو نفسيًّا.
(الرسالة) تفتح قضية (التحرّش الجنسي) وتناقشها مع عدد من المختصين وأصحاب الرأي في ثنايا التحقيق التالي:
بداية أكد مدير الصحة النفسية بمكة المكرمة الدكتور رجب بريسالي أن التحرّش الجنسي أصبح من الجرائم الجنائية، وتعدت كونها مشكلة إلى ظاهرة وداء اجتماعي عضال، ومنتشر في جميع أنحاء العالم، وأضاف بريسالي إن هذه الظاهرة تكتسب حساسية خاصة في مجتمعنا نظرًا لعدم اعتياده على سماع مثل هذه الظواهر. وحول أسباب هذه الظاهرة قال بريسالي: إنه لا يوجد سبب وحيد لهذه الظاهرة وبالتالي علاجه بشكل مباشر، وإنما هناك عدة عوامل نفسية واجتماعية تتداخل فيما بينها، وأوضح بريسالي أن هناك اضطرابات نفسية تزيد من الرغبة الجنسية ويأتي في مقدمتها الاضطرابات الوجدانية والتي يصبح معها الشخص في طاقة جنسية عالية يحاول تفريغها بالتحرّش الجنسي. كما أشار بريسالي إلى الاضطراب الذهاني كسبب من أسباب التحرّش الجنسي بالإضافة إلى المرض السيكوباتي وهو الذي يكون الشخص فيه غير عابئ بالعادات والتقاليد ويمكن أن يعتدي على الآخرين من غير مبالاة، كما أشار بريسالي إلى البعد عن التعاليم الدينية الإسلامية التي تقضي بفصل الأولاد عن البنات في البيت أو داخل الأسرة الواحدة. ونبه بريسالي إلى أن قلة الوعي والثقافة والتعليم لدى الأشخاص يمكن أن يفضي إلى زيادة التحرّش الجنسي مؤكدًا أن الدراسات الاجتماعية الحديثة تثبت أنه كلما قل الجانب الثقافي والتعليمي للطفل كلما زادت نسبة التحرّش الجنسي داخل الأسرة الواحدة، كما كشف بريسالي عن دراسة علمية أجريت في إحدى الجامعات السعودية توضح أن قلة الدخل المادي للأسرة يزيد من احتمالية حدوث تحرّش جنسي داخلها، وأبان بريسالي أن زيادة دخل الأسرة ينعكس على مستوى المعيشة ومساحة البيت وبالتالي إمكانية فصل الأولاد عن البنات بينما في حالة محدودية الدخل فإن ضيق البيت يحتم انكشاف خصوصيات الأولاد والبنات على بعضهم، وبالتالي يجد من لديه طاقة جنسية من الشباب ما يهيج هذه الطاقة. وأضاف بريسالي إن غياب الرقابة على الأبناء خاصة ما يتم تداوله على الإنترنت أو في الفضائيات سبب من أسباب شيوع ظاهرة التحرّش الجنسي. وعن الآراء التي تشير إلى أن التحرّش الجنسي نتيجة الكبت الموجود لدى الشباب جراء الفصل الصارم بين الجنسين في المجتمع رد بريسالي أن الدراسات الاجتماعية الحديثة أثبتت فعالية الفصل بين الجنسين، مؤكدًا على أن تلك الدراسات تثبت مصداقية حديث النبي عليه الصلاة والسلام في الفصل بين الجنسين، مشيرًا في الوقت ذاته أن تلك المطالب التي تدعو إلى اختلاط الجنسين وأثره في التخفيف من الكبت أو التحرّش الجنسي لا تعتمد على دراسات واقعية ولم تثبته أي أبحاث علمية.
وفي جانب العلاج أوضح بريسالي أن نشر الثقافة الجنسية الصحيحة من أهم طرق الوقاية، وشدد بريسالي على أهمية عدم التغليظ أو تأنيب الصغار في حالة حدوث تحرّش بهم أو الكلام في موضوعات جنسية، وضرورة فتح باب الحوار معهم. كما أكد بريسالي أهمية وجود قوانين تعاقب على التحرّش الجنسي، ورد بريسالي على من يقول إن العقوبات والقوانين لن تخفف من هذه الظاهرة كون تلك القوانين موجودة في بلاد غربية إلا أن التحرّش أيضًا مازال موجودًا رد بريسالي أن النسب تختلف؛ فقد وصلت لدينا إلى (25%) من أطفال السعودية بين أعمار سنتين إلى (17) عامًا يتعرضون لشكل من أشكال التحرّش الجنسي، كما يذكر بريسالي أن حالات اغتصاب وزنا محارم كثيرة تمر عليه بحكم تخصصه، ناهيك عن حالات كثيرة لا يبوح بها أصحابها لانتشار ثقافة العيب والحرام، مشددًا على أن مثل هذه الأرقام تعد أرقامًا مخيفة وتدق ناقوس الخطر، وتدعونا للوقوف ومواجهة المشكلة ووضع حلول تحد من هذه الظاهرة.

التعامل مع الضحية
من جهته أوضح مشرف علم النفس بتربية الشرقية الدكتور خالد بن محمد الشهري أن سنّ التعرض للتحرّش الجنسي خاصة لدى الأطفال يتراوح بين (2-12)، وغالبًا ما يتعرض الأطفال في هذه السن للتحرّش في غفلة والديهم تحت التهديد أو الإغراء مع عدم توعيتهم بذلك وقد يتكرر الأمر عدة مرات. كما أوضح أن المتحرّش في الغالب يكبر الضحية بخمس سنوات على الأقل، وله علاقة ثقة وقرب للضحية. مشيرًا إلى بعض الدراسات التي أثبتت أن 75% من المعتدين له علاقة قرب (أخ – أب – عم – خال – جدّ) أو من المعروفين للضحية ومنهم الخادمة والسائق. وبين الشهري أماكن التحرّش من سن (2-5) سنوات والتي يكون المعتدي في الغالب ممّن يتولون الرعاية للطفل دون رقابة مثل المربية والسائق والخدم أو المراهقين في العائلة أو الجيران أو الأقارب الذين يخلو بهم الطفل. أمّا الأطفال من سن (5-12) سنة فكل من يختلط بهم دون وجود رقابة بما فيها الإنترنت.
وكشف الشهري عن بعض أعراض التحرّش وكيفية اكتشافه مبينًا أن أخطر ما في الأمر أن يكون الطفل غير واع بما يحدث له؛ فيتكرر الاعتداء عليه ويتجاوب استجابة للترغيب أو الترهيب، ويستمر ذلك دون أن يكتشفه أحد ممّن حوله. ومن الأعراض التي قد تظهر لدى أطفال ما دون سن الثالثة: خوف شديد وبكاء دون سبب واضح. أو تقيؤ بدون سبب عضوي مع تكرار ذلك. كما قد تظهر عليه أعراض عدم التحكم في الإخراج (البول والبراز). ومشكلات في النوم وغيرها. أما من هم في سن 3-9 سنوات فإنه يظهر عليهم خوف من بعض الأشخاص أو الأماكن أو الأنشطة بدون سبب واضح. كما أنه قد يعاني من مشكلات خاصة تتعلق بالميول الجنسية. بالإضافة إلى كوابيس مزعجة أثناء النوم. وأشار الشهري إلى الأضرار الناتجة عن التحرّش الجنسي بالأطفال ومنها أضرار جسدية كالأمراض والأوجاع في المناطق التناسلية والتهابات. وصعوبة في المشي أو الجلوس. كما أن هناك أضرارًا سلوكية مثل عدم المشاركة في الأنشطة المختلفة. والتسرب أو الهروب من المدرسة. والتورط في سلوك منحرف. وانعدام الثقة بالنفس أو الآخرين. بالإضافة إلى العدوانية والقلق الدائم. وأشار الشهري إلى أن المجتمع والأسرة قد يساهم في إحداث مزيد من الضرر حينما يلقي باللائمة على الطفل لأنه لم يحمِ نفسه أو يقاوم وكأنه متواطئ ومشارك في الجرم، مما يزيد من عقدة الشعور بالذنب لديه. كما أن التستر على الاعتداء يزيد في المشكلة وبخاصة إذا لم يحاسب المعتدي. الأمر الذي يجعل الطفل يفقد الثقة في نفسه وفي أسرته وفي مجتمعه إذ لم يستطع أن يحمي نفسه ولا من حوله قدموا له الحماية.
ولا تسأل بعد ذلك عن طفل نشأ في مثل هذا الجو النفسي وبهذه النفسية المهزوزة المهزومة.
وأوضح الشهري أن السكوت عن الجريمة والتستر عليها يضر بالضحية بشكل فادح ويلقي بظلالها عليه طوال حياته وقد ينتج عنه عدة احتمالات، منها: توحد الضحية مع المعتدي؛ فيصبح مثله (معتديًا)، وكأنه ينتقم لنفسه من المجتمع. أو قد يصبح الضحية سلبيًّا مستسلمًا لكل من يعتدي عليه بأي شكل؛ فيعيش حياته في هذا الدور وقد يصل به الأمر لأن يستمتع باعتداء الآخرين عليه ويتلذذ بذلك. كما قد تصاحب الضحية حالات قلق وخوف مستمر تصاحبه طوال حياته؛ ممّا يؤهله ليكون مريضًا نفسيًّا في المستقبل، كذلك استمراء الضحية للشذوذ الجنسي وإدمانه، أما البنت فقد تصاب بالخوف المرضي من الرجال دون أسباب واضحة وحتى بعد زواجها تخاف من علاقتها العاطفية مع زوجها.

3 خطوات للخلف
وعن الوقاية ودورها في التخفيف من آثار التحرّش الجنسي يؤكد الشهري أن قضاء الوالدين ساعات في تدريب أطفالهم على حماية أنفسهم وساعات أخرى لمراقبتهم خير من أن يقضوا سنوات طوال في علاج الآثار السلبية لمحاولات الاعتداء والتحرّش على أطفالهم. كما أكد أن تعليم الأطفال حماية أنفسهم خير لهم من كثرة الرقابة الملاصقة لهم. على أن يتم ذلك بطريقة هادئة وطبيعية تماما كما يتعلم الطفل آداب الأكل واللبس والنوم أو أي خلق أو مهارة من مهارات حياتهم اليومية حتى لا تصبح القضية وسواسًا يفسد عليهم حياتهم. وأوضح الشهري عدة طرق يمكن أن يتبعها الوالدان مع أولادهم، ومنها: أن يتعلم الطفل آداب العورة وسترها. وأن هنالك أجزاء من جسده لا يحق لأحد أن يراها أو يلمسها. ويفضل أن يكون ذلك مرتبطًا بالوقاية الصحية من الأمراض، والعناية بجانب النظافة والسلامة الصحية حتى لا يتجه تفكير الطفل إلى ما لا نريد أن نصارحه به. كما أشار إلى ضرورة مراقبة الطفل من قبل الوالدين، وخاصة في الأماكن التي يخافون عليه فيها. وليكن ذلك بدون مضايقة له ودون أن يشعر. بالإضافة إلى تعليم الطفل على التفريق بين اللمسة الحانية ولمسة التحرّش. كما أكد الشهري على تلقين الطفل أن أفضل وسيلة عند تعرضه للتحرّش هي الصراخ بقوة والرجوع 3 خطوات للخلف ثم الهرب فورًا من الموقع والالتجاء للأماكن العامة القريبة أو البيت، كما يجب أن يُعلم الطفل كيف يتعامل مع هذه المواقف بشجاعة ودون رضوخ للمعتدي. ونبه الشهري إلى أهمية تعويد الطفل على أن يخبر أمه بكل يومياته، وما يحدث له ويجب على الأم أن تحافظ دائمًا على هدوئها فلا توبخه ولا تنهره حينما يخبرها بما يزعجها وخاصة حالات التحرّش. ويجب على الأم أن تمارس معه دور الصديقة التي تحسن الاستماع لطفلها أو طفلتها. بالإضافة إلى اعتناء الأسرة دائمًا بالوقاية وعدم التساهل والغفلة، وألاّ تعتمد على الآخرين في رعاية أطفالهم أو العناية بصغارهم.
وبين الشهري أنه عند اكتشاف حالات تحرّش أو اعتداء جنسي على الطفل فإن على الأسرة التعامل بشكل صحيح حتى لا تتضاعف السلبيات بشكل أكبر، ومن ذلك عدم احتقار الطفل أو إهانته ووضعه موضع تهمة وأنه ضعيف وأنه هو من هيأ للآخرين الاعتداء عليه، ممّا قد يولد لدى الضحية إحساسًا بالذنب، ويبدأ في تحميل نفسه مسؤولية ما حدث فيرى أنه هو السبب في غضب الأب والأم، ومن حوله ثم يبدأ في معاتبة نفسه على هذا ويستمر ذلك وقد يصل إلى حدّ المرض النفسي بسبب عقدة الذنب. كما أن خوف الطفل من ردّ فعل الوالدين يجعله يفضل قانون الصمت مما يعرضه لمخاطر تكرار الاعتداءات عليه وتعقد المشكلة بشكل أكبر.
وحذر مشرف علم النفس بتربية الشرقية من استسلام الأهل والأسرة لتأنيب الذات ولوم الضحية لأن ذلك ينسيهم ملاحقة المعتدي الحقيقي الذي يجب أن ينال عقابه. كما حذر من التكتم والتعتيم على المشكلة الأمر الذي يساعد المجرم على تكرار جرائمه مع الآخرين. وشدد على ضرورة السماع التفصيلي والهادئ من الطفل والتعرف على الوضع الحقيقي وكم عدد مرات الاعتداء أو التحرّش وكيفيته ومكانه ووقته وأسباب سكوت الطفل، فحينما يسمح للطفل بالتعبير الحرّ يساعده ذلك على التخلص من المشاعر السلبية التي تسمح له بالانطلاق والتفريغ مما يخفف من وطء المشكلة على نفسه. ملمحًا إلى ضرورة تصديق الطفل وإعطائه الثقة فقد لا يقول كل شيء ليس لأنه كاذب ولكن لأنه خائف وكلما كانت ثقته أقوى فيمن حوله كلما كان أكثر دقة في وصف الحادثة. وأضاف الشهري أنه يجب صرف انتباه الطفل دائمًا عند ملاحظته شاردًا أو سارحًا ومحاولة حثه على الوجود وسط الأسرة وعدم تركه منعزلا، وعدم إلقاء المسؤولية على الطفل وإفهامه بمدى تفهمنا لما تعرض له وأنه كان ضحية وتقديرنا لمشاعره الخائفة والفزعة وأننا نعذره لعدم قدرته على إبلاغنا بالأمر وأنه هو الذي يهمنا، وأننا سنعاقب من تعرض له وأننا سنعمل على حمايته مع تعليمه كيف يتصرف مستقبلاً.
من جانبه قال الكاتب الصحفي رشيد بن حويل إن ضعف الوازع الديني يعد من أهم أسباب انتشار ظاهرة التحرّش الجنسي، مشيرًا إلى أهمية مراعاة الأسر لخصوصيات الأولاد والبنات كل على حدة، وأوضح حويل أنه ليس هناك كبت يمارس على الشباب وإنما هو ضبط لتلك الغرائز حتى لا تؤدّي إلى عواقب وخيمة لا سيما وأن هناك نصوصًا وأدلة تحذر من هذه العواقب، مشيرًا إلى أهمية قيام الأسرة بتعريف أبنائهم بتلك الغرائز وأهمية ضبطها، بالإضافة إلى تنمية الوازع الديني. وشدد حويل على أهمية دور المؤسسات التعليمية كالمدرسة والجامعة بالإضافة إلى دور الأسرة المحوري ودور الإعلام وقنوات التوعية المختلفة التي إذا تضافرت يمكن أن نحد من هذه الظاهرة التي تزعزع ما اتصف به مجتمعنا من تدين ومحافظة.

التشهير كعقاب
أمّا الكاتبة الصحفية إيمان العقيل فقد أوضحت أن مشكلة التحرّش في مجتمعنا المحافظ تُعدُّ جريمتين، جريمة أخلاقية وأخرى قانونية، مشددة على ضرورة وجود قانون يضبط ويعاقب مثل تلك الجرائم إن لم يكن هناك قيم أخلاقية تردع المتحرّش. وأشارت العقيل إلى أن النشء نتاج تربيتنا، فالأسرة والمدرسة والإعلام والصحبة، هي من يوجه ويؤثر في النشء، فإن كان القائمون عليها من الأخيار الذين يعززون القيم والأخلاق الحسنة، فسيكون النتاج طيبًا كما كان الغرس طيبًا. وتلاحظ العقيل انتشار بعض المظاهر السلبية مثل: التحرّش الجنسي، والتساهل في الاحتشام، والاختلاط غير المبرر، وقلة احترام الآخر، واستخدام ألفاظ نابية، وحركات بذيئة، وغيرها، من السلوكيات التي يعتبرها البعض حرية شخصية وهي في حقيقتها مؤذية للآخرين وتتجاوز حدود الأدب والذوق العام. موضحة أن هذه السلوكيات نمت وتطورت مع الجيل عبر الرسائل الإعلامية المتكررة التي تهيج الغرائز ولا تغذي الفكر. كما أنه في المقابل تقلص دور المربي والموجه، سواء كان الوالدين أو المعلم نتيجة تشويه صورته وكثرة التندر عليه والسخرية منه ومن توجيهاته وطريقة تفكيره التقليدية. كما أشارت العقيل إلى تراخي الأسرة في احتواء الجيل ومجاراته من خلال مواكبة التطورات التقنية الحديثة والاندماج فيها. فكثير من مشكلات الفتيات والشباب بسبب بعد الوالدين عن اهتماماتهم ويتجنبون مشاركتهم هواياتهم والوقوف على احتياجاتهم النفسية والاجتماعية. وأكدت العقيل أنه لمناقشة قضية مهمة مثل التحرّش، علينا النظر في عمق المشكلة لا في ظاهرها فقط؛ لذا نحتاج أن نسأل «لماذا؟» وليس «ماذا؟» فمعرفة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ظهور مثل تلك المشكلات أولى من معرفة ما المشكلة. وبالنظر لمشكلات الشباب من الجنسين تؤكد العقيل أن القضية الأولى بالنسبة لهم هي الحصول على وظيفة، وفي المقابل نجد تناميًا في معدلات البطالة، أو توفر أعمال غير مناسبة أو لا تلبي احتياجات أو لا تتناسب وقدرات الشاب أو الفتاة. وعندما تتأخر أو تضعف فرص العمل يتأخر سن الزواج، وهو بطبيعة الحال احتياج مهم لاستمرار واستقرار الحياة للجنسين. كما أشارت العقيل إلى ما يحمله عقل الإنسان من منظومة القيم والأفكار والمعتقدات التي تربى عليها وهي التي توجه دفة حياته، وعندما تختل هذه المنظومة عبر تعاطي المسكرات أو المخدرات أو مشكلات نفسية وغيرها، نجده يُقدم على ارتكاب المحظورات والمحرمات ضاربًا بالقيم والأخلاق عرض الحائط. وأشارت العقيل إلى ما نشر في بعض الصحف مؤخرًا والتي أوضحت أن قضايا التحرّش في المملكة خلال العام الحالي بلغت 2797 قضية، احتل فيها المواطنون المرتبة الأولى بنسبة 59.9%، واحتلت الرياض المرتبة الأولى في عدد القضايا ثم جدة تليهما الشرقية، أي ما يقارب من ثلاثة آلاف قضية تحرش خلال عام واحد، وترى العقيل أن ذلك مؤشر سلبي جدًا لمجتمع يمتلك مخزونًا قيميًا أخلاقيًا عريقًا كما تقول. مذكرة ببيت الشعر الشهير: «وأغض طرفي ما بدت لي جارتي.. حتى يواري جارتي مأواها..» مشيرة إلى أن هذه أخلاق الجاهلية فالأجدر أن تكون أخلاقنا أعلى وأسمى، «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».. وأكدت العقيل أن من لم يكن له خلق ودين يردعه، فالقانون والمحاسبة وتطبيق العقاب الصارم، أفضل طريقة لحماية المجتمع من فساد المفسدين، مضيفة أنه في قضية التحرّش الجنسي يجب معاقبة المتحرشين والتشهير بهم في أماكن ارتكابهم للتحرش على مرأى ومسمع الجميع كما كان الاعتداء أمام الجميع، ليكونوا عبرة لمن يعتبر؛ لأن تطبيق القانون هو الرادع الحقيقي لعدم تكرار مثل تلك الأفعال الشنيعة في حق الآخرين، وعدم التساهل في مسامحة الجاني أو إيجاد وساطة تشفع له في كل جرم يرتكبه، لأن ذلك لن يردع أحد وسيستمر مسلسل الانتهاكات والتجاوزات الأخلاقية على الجميع فمن أمن العقوبة أساء الأدب.

الإسراف في الضوابط
أما أستاذ الإرشاد النفسي بجامعة أم القرى الدكتور عبدالمنان ملا فأشار إلى دور التحول الكبير الذي نعيشه في العصر الحديث من تطور تقني وانفجار معلوماتي وانفتاح إعلامي رغم ما يحمله ذلك التحول من إيجابيات إلا أنه أفرز أيضًا ظواهر سلبية انعكست آثارها على المجتمع والأسرة خاصة. وأشار ملا إلى كون المجتمع شبابيًّا، حيث إن هناك 9 ملايين من فئة الشاب في المجتمع السعودي وهي من أخصب وأخطر المراحل. وأرجع ملا مثل هذه الظواهر إلى الخلل في التنشئة الأسرية إذ إن أولئك الشباب لم يعطوا حقهم من التربية الدينية والنفسية والأخلاقية رغم أننا في مجتمع إسلامي يتمتع بقيم أخلاقية عالية إلاّ أن كثيرًا من الآباء والأمهات لم يقوموا بدورهم على الوجه المطلوب كما أن المؤسسات التعليمية والإعلامية والدعوية لم تقم بدورها كذلك في تنشئة الشباب التنشئة الصحيحة المتكاملة، ومع ضعف أدوار هذه المؤسسات أصبح الشباب أكثر انزلاقًا مع «التيارات الهدامة» كما وصفها ملا، وأوضح ملا أن ضعف هذه التنشئة أوجد لدى الشباب كبتًا لدوافعهم وغرائزهم وخاصة الدوافع الجنسية والعاطفية. وانتقد ملا الإسراف في استخدام الضوابط والموانع التي تحد من حركة الشباب بالإضافة إلى عدم التفرغ للشباب وإعطائهم المعلومات الجنسية الصحيحة، الأمر الذي يدفعهم إلى استقاء تلك المعلومات من مصادر أخرى غير موثوقة. وطالب ملا بتقنين التربية الجنسية بمفاهيمها الإسلامية الصحيحة وليس بدعاوى الاختلاط والاندماج بين الجنسين لأن لكل جنس خصائص ودوافع مختلفة عن الآخر. كما دعا إلى متابعة ومراقبة الأبناء وعدم إهمال تحركاتهم بشكل مطلق، كما دعا إلى إشباع الدوافع الجنسية والعاطفية لدى الأبناء بالطرق الشرعية والتربوية الصحيحة. كما شدد ملا على أهمية طرح موضوعات في التربية الجنسية في البيت والمدرسة بشكل واضح وهادف، كما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام حين كان يعلم أصحابه كل شيء ويجيبهم على أسئلتهم المختلفة. وأكد ملا على أهمية وجود قوانين لتجريم التحرّش الجنسي يضعها أهل الاختصاص بالإضافة إلى الأحكام المقررة شرعًا في هذا الجانب. وأكد ملا ضرورة قيام الأسرة بدورها خاصة تلك الأسر التي توجد بها حالات تحرش جنسي إذ لولا الخلل التربوي في الأسرة لما وجد ذلك التحرّش، كما أكد ضرورة وضع استراتيجية شاملة يشترك فيها العلماء والمفكرون والمختصون وأصحاب الرأي والمسؤولون للحد من هذه الظاهرة وصيانة الشباب من عواقبها الوخيمة.

أضف تعليق

*