التحرش بالأطفال.. فيروس ينتشر كالسرطان في المجتمع بسبب “غفلة الأسر”

دعاء بهاء الدين- ريم سليمان- سبق – جدة: مع بداية فصل الصيف تكثر التجمعات الأسرية وينطلق الأطفال ببسمتهم البريئة، يحدوهم الأمل في الاستمتاع بأوقاتهم وسط حضن الأقارب ودفء الأماكن، فيختلط الطفل بأقاربه ويمارس أنشطته ويكون رفيقه السائق، وتغفل الأسرة أو تنشغل عن مراقبة طفلها، ليصبح فريسة لذوي النفوس الضعيفة والشذوذ الجنسي ويقع في براثن وحوش ارتدوا قناع البشر، وينعزل الطفل ويتوارى خجلاً عن العالم، وتصبح دموعه حيلته الوحيدة للتعبير عن نفسه المنكسرة وحزناً على صمت العالم الذي لا يشعر بأنينه.

وقد حذر مختصون عبر “سبق” من الآثار السلبية للتحرش على مستقبل الطفل، لافتين إلى خطورة ترك الطفل مع أقاربه وأقرانه دون مراقبة، وشددوا على دور الأسرة في مراقبة أطفالها، وتوعيتهم بالسلوك التربوي في حال تعرضهم للتحرش.

تحرش جسدي
بكل حزن وأسى تحدثت إحدى الأمهات لـ” سبق ” قائلة: مع بداية الإجازة ذهب ابني لأحد المراكز الصيفية، رغبة مني في إثراء وقته بالنافع والمفيد، في بداية الأمر اعتقدت أنه سيقضي وقتاً ممتعاً ومفيداً، بيد أنه بعد فترة من الوقت وجدته منعزلاً صامتاً يرفض الحديث معي، تطور الأمر ورفض الذهاب إلى المركز الذي كان يسابق الزمن للذهاب إليه ولقاء أصدقائه.

وأضافت: طلبت من والده التحدث معه ربما يبوح له بأسراره، بيد أنه تقوقع على ذاته وازداد عزلة وبكى في صمت، ثم قال: اتخذت قراري وذهبت للاختصاصية النفسية فسألته عدة أسئلة، أيقنت من خلالها أنه تعرض لتحرش جسدي من أحد المدربين في المركز، وأخبرتني أنها سوف تضع له برنامجاً علاجياً نفسياً مكثفاً كي يتخلص نهائياً من الآثار السلبية نهائياً.

ملامح بريئة
وأبدى محمد الغامدي أسفه لتعرض ابنه للتحرش قائلاً: طلقت زوجتي وعاش ابني مع أمه، قتلني الخوف وهو بعيد عني فملامحه بريئة وخجول لأقصى درجة، كان يعيش في بيت العائلة مع أبناء وبنات أخواله وهم في سن الطفولة والشباب، وعندما كان يزورني كنت ألمح في عينيه حزناً عميقاً.

واستكمل حديثه: اقتربت من ابني في هدوء واحتضنته ربما يشعر بالأمان، فانهمرت دموعه وقال لي ببراءة: ابن خالتي كان يلعب معي بالكرة، واقترب مني ولمس جسدي، ولا أدري ماذا افعل يا أبي؟ ، مادت الأرض بي، وقررت الكشف الطبي عليه حتى اطمأن عليه وأعيد تأهيله نفسياً من جديد.

رواسب نفسية
وبصوت ممزوج بالبكاء تحدثت إحدى الأمهات لـ” سبق” قائلة: ابنتي زهرة حياتي عمرها عشر سنوات، وهبها الله جمالاً رقيقاً، وحيوية فائقة، تحب الذهاب إلى الملاهي مع صديقاتها، صمتت عن الحديث برهة كأنها تسترجع ذكرى مؤلمة ثم تابعت: للأسف الشديد أخذتنا دوامة الحياة وانشغلت مع صديقاتي بالذهاب إلى المشاغل ومتابعة التخفيضات في المراكز التجارية، وتركتها تذهب بمفردها مع السائق والخادمة إلى الملاهي.

وتابعت حديثها: في أحد الأيام ارتمت ابنتي في حضني وبكت في خوف، ولاحظت انطفاء بسمتها الرقيقة، ونشاطها المعهود، وعندما نظرت إلى السائق ارتبكت، وانسابت دموعها في هدوء، ذهبت بها إلى استشارية نفسية، وبعد الكشف الطبي عليها، صدمتني بقولها: إن ابنتي تعرضت للتحرش من السائق، وتحتاج إلى علاج نفسي طويل حتى تتخلص من الرواسب النفسية لهذه الصدمة المبكرة.

استغلال جنسي
في البداية عرّف الباحث النفسي ضياء الدين المرغني التحرش الجنسي قائلاً: هو الاستغلال الجنسي لجسد الطفل من شخص بالغ لإرضاء رغبات جنسية عند الأخير، مستخدماً القوة والسيطرة عليه، لافتاً إلى أن التحرش الجنسي بالطفل يتم من خلال كشف أعضائه التناسلية، أو إزالة الملابس عنه وملامسته، أو ملاطفته جسدياً، أو التلصص على الطفل، وكذلك اغتصابه أو هتك عرضه، أو تعريضه لصور وأفلام فاضحة أو إجباره على التلفظ بألفاظ خارجة، وحذر من خلوة الجاني بالطفل بدعوته إلى نشاط معين كممارسة لعبة مثلاً.

ولفت المرغني إلى أن معظم المتحرشين جنسياً بالأطفال أشخاص ذوو صلة بهم لا يثير وجودهم معهم أدنى ريبة، كالعامل أو الحارس أو الخادمة في المنزل أو أحد الأقارب، كما لفت إلى أنه إذا كان المعتدي من خارج نطاق العائلة؛ فإنه يسعى إلى توطيد الصلة مع ذوي الطفل قبل أن يعرض الاهتمام بالطفل، أو مرافقته إلى مكان بريء للغاية كساحة لعب أو متنزه عام.

شخصية عدوانية
واستعرض الآثار النفسية على الطفل المتحرش به في كرب ما بعد الصدمة، حيث تعاود الضحية صورة التحرش في يقظته وفي أحلامه ويصبح في حالة خوف من تكرار التحرش، ويتجنب المواقف والأشخاص والأماكن التي تذكره بالتحرش، لافتاً إلى أنه مما يضاعف الآثار النفسية أن يكون المتحرش أحد الأقارب أو المحارم فيزيد ذلك من حجم المعاناة التي تعانيها الضحية، غير أن معاقبة الجاني تخفف كثيراً من أثر الأزمة، وحذر من تلذذ الطفل بهذا الموقف فيستمر على ذلك، وقد ينحرف إذا أُهمل ولم يتلق النصح والحذر من ذلك.

وأضاف كذلك يشعر الطفل بالخوف من الطرفين: الإفصاح لوالديه أو للكبار خوفاً من العقاب أو التندر عليه أو الاستهزاء به، وعلى الجانب الآخر يخاف من المعتدي عليه؛ لأنه يهدده بالقتل أو بشيء آخر إن أفشى ذلك لأحدٍ، معرباً عن مخاوفه من تحول الضحية لشخصية عدوانية انتقامية، فقد يعتدي على الآخرين مثلما اعتدي عليه وتكون الحلقة مفرغة في هذا الموقف، وكذلك قد يكون انطوائياً منعزلاً يكره الآخرين، ولا يرغب في العلاقات الاجتماعية.

وشدد على الوالدين بعدم مداعبة الصغار في الأماكن الحساسة، وعدم مشاركة الأبناء الصغار فراش الأبوين، وكذلك عدم السماح للأبناء بتبديل الملابس أمام الآخرين، وأيضاً التقبيل الزائد عن الحد من المداعبة بين الزوجين أمام الأبناء، محذراً من انفراد السائق بالصغار في السيارة.

دور الأسرة
حول دور الأسرة في التعامل مع الطفل رأت استشارية العلاج الأسري الدكتورة سلمى سيبيه أنه على الأسرة أن تدرك احتمالية وجود عنف ضد أطفالها من عدمه، مع توجيه الأطفال إلى عدم إحداث ضجة كبيرة في وجود ضرورة المعتدي المحتمل، وتدريب الأطفال على حسن التصرف في حالة العنف، مشيرة إلى ضرورة أن يعرف الطفل من يلجأ إليه إذا لاحظ قرب وقوع العنف.

ونصحت بضرورة حماية الطفل وتعريفه بأي خطر وكيف يكون الطفل ذكياً في التعامل مع المواقف، كما أكدت ضرورة أن تعلم الأم أبناءها قول كلمة “لا ” بصوت عالٍ وبصراخ، إذا حاول أحد التعدي عليهم. وقال: على الطفل ألا يسكت إذا كان المعتدي من أقرب الناس له، لكن عليه أن يختار من يثق به ليحصل على المساعدة وإذا لم يستطع باللفظ يكتب له ما تريد، موضحة أن أكثر المسجونين المتهمين بالعف ضد الأطفال قالوا إنهم كانوا سيتركون الطفل إذا أصدر صوتاً عالياً.

وطالبت سيبيه بضرورة تأسيس قناة لتوعية الأسر والأطفال وموقع على النت يخاطب الأطفال على قدر عقولهم ويستخدم كل التقنيات المتطورة بأسلوب سهل وممتع، ودعت إلى ضرورة إدراج هذه التوعية في التعليم الابتدائي من التمهيدي ويكرر بصور متعددة في المرحلة الابتدائية.
وشددت على ضرورة التعريف علناً باسم كل معتدٍ وعمل موقع خاص للتعريف والتشهير بهدف تخويف غيرهم وتحذيرهم، وأن يعاقب عقوبة مشددة مغلظة لأن الذي يغتصب الأطفال شخص غير سوي باعتبار أن الاغتصاب هو أقصى درجات العنف، معربة عن أملها في أن إنشاء مراكز خاصة لإعادة تأهيل المغتصبين والمغتصبات سواء أكان المغتصب من داخل الأسرة أم خارجها وتأهيل القائمين على هذه المراكز.

فيروسات المجتمع
وأنحت المحاضرة بكلية التربية هند خليفة باللائمة على الأسرة والمدرسة لتقصيرهما في توعية الطفل منذ الصغر بكيفية حماية نفسه، وأفادت بأن المنهج الدراسي يحتوي على ما يمكن أن نطلق عليه “وحدة الجسم”، بيد أن التربويين يتجاهلون التحدث عن مناطق العورة للطفل وكيفية الحفاظ عليها، مطالبة المدارس بضرورة تعليم الطفل في مرحلة الروضة كيفية حماية نفسه وعدم الاستجابة لإغراءات الغرباء.

وأعربت عن أسفها تجاه بعض الأمهات الحاصلات على شهادات عليا، بيد أنهن يجهلن طريقة التحاور مع بناتهن فيما يختص بأمور الحيض والطهارة، أو مع الأولاد فيما يخص الاحتلام في مرحلة البلوغ، تحت حجج واهية منها الخجل.

واعتبرت الأم المهملة أساس المشكلة، وشددت في هذا السياق على ضرورة تفقه الأمهات في علم التربية الجنسية، معتبرة تعليمه “فرض عين” على كل أم لحماية أبنائها من فيروسات المجتمع مثلما تحرص على تحصينهم ضد الأمراض الجسدية، داعية الأمهات إلى حضور الدورات التدريبية وقراءة الكتب التربوية .

واعتبرت المحاضرة التربوية أن هذه الفئة العمرية من 7- 11 سنة تكون مثيرة للرجل، حيث إن الفتاة تكوينها أنثوي جسدا دون روح ، والمغتصب يكون ماهراً في كيفية التعامل مع الأطفال، ويختار فريسته بطرق بسيطة، مستعرضة مراحل استدراج الطفلة في الترغيب عن طريق الألعاب والحلوى ثم مرحلة التنفيذ الفعلي والتي من خلالها ينفذ رغباته الشيطانية، وأخيراً مرحلة تهديد الطفلة بإيذائها أو إلحاق الضرر بأحد أفراد أسرتها إذا أفصحت عما حدث لها.

وحذرت من الأثر السلبي الخطير على مستقبل الطفلة إذا استمتعت أثناء عملية الاغتصاب فإنها ترغب فيما بعد في إقامة علاقات جنسية دون مراعاة للقيم الاجتماعية أو الأشخاص، وضربت مثالاً بفتيات الليل وهن غالباً ما تعرضن للاغتصاب في الصغر وشخّصت هذه الحالة بانتقام الفتاة من ذاتها نتيجة لاحتقارها لنفسها باعتبارها مسؤولة عما حدث لها.

للمزيد:

http://sabq.org/eYPo5d

أضف تعليق

*